ابن عجيبة
569
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَإِنْ تُحْسِنُوا العشرة وَتَتَّقُوا النشوز والإعراض ونقص حق المرأة مع كراهة الطبع لها ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً لا يخفى عليه إحسانكم ولا نشوزكم ، فيجازى كلّا بعمله ، وفي بعض الأثر : « من صبر على أذى زوجته أعطاه الله ثواب أيوب عليه السلام » . وكذلك المرأة . والله تعالى أعلم . الإشارة : اعلم أن النفس كالمرأة حين يتزوجها الرجل ، فإنها إذا رأت من زوجها الجد في أموره والانقباض عنها ، هابته وانقادت لأمره ، وإذا رأت منه الليونة والسيولة استخفت بأمره وركبته ، وسقطت هيبته من قلبها ، فإذا أمرها ونهاها لم تحتفل بأمره ، وكذلك النفس إذا رأت من المريد الجد في بدايته والصولة عليها ، هابته وانقادت لأمره وكانت له سميعة مطيعة ، وإذا رأت منه الرخو والسهولة معها ، ركبته وصعب عليه انقيادها وجهادها ، فإذا صال عليها وقهرها فأرادت الصلح معه على أن يسامحها في بعض الأمور ، وتساعفه فيما يريد منها ، فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا ، والصلح خير ، فإن دوام التشديد قد يفضى إلى الملل ، وإن تحسنوا معها بعد معرفتها ، وتتقوا الله في سياستها ورياضتها حتى ترد بكم إلى حضرة ربها ، فإن الله كان بما تعملون خبيرا . ثم أمر بالعدل بين النساء ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 129 ] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ، يا معشر الأزواج ، أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ العدل الكامل التام في الأقوال والأفعال والنفقة والكسوة والمحبة ، وَلَوْ حَرَصْتُمْ على ذلك لضعف حالكم ، وقد خففت عنكم ، وأسقطت الحرج عنكم ، فلا يجب العدل في البيت فقط ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : « اللهمّ هذه قسمتى فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما لا أملك » ، يعنى : ميل القلب ، وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : ( اللهم قلبي فلا أملكه ، وأما سوى ذلك فإني أرجو أن أعدل ) ، وأما الوطء فلا يجب العدل فيه ، إلا أن تتحرك شهوته ، فيكف لتتوفر لذته للأخرى . فَلا تَمِيلُوا إلى المرغوب فيها لجمالها أو شبابها ، كُلَّ الْمَيْلِ بالنفقة والكسوة والإقبال عليها ، وتدعوا الأخرى كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست ذات بعل ولا مطلقة ، كأنها محبوسة مسجونة ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما ، جاء يوم القيامة ، وأحد شقّيه مائل » ، وَإِنْ تُصْلِحُوا ما كنتم تفسدون في أمورهن بالعدل بينهن ، وَتَتَّقُوا الجور فيما يستقبل ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ، يغفر لكم ما مضى من ميلكم .